مجمع البحوث الاسلامية

126

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والأوامر والنّواهي كلّه ملابس للحقّ ، فبطل بهذا ما قالوه في القرآن ، وفي الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ، مقالة من لم يتدبّروا القرآن ، ومن لم يراعوا إلّا موافقة ما كان عليه آباؤهم الأوّلون ، ومن لم يعرفوا حال رسولهم الّذي هو من أنفسهم ، ومقالة من يرمي بالبهتان ، فنسبوا الصّادق إلى التّلبيس والتّغليظ . فالحقّ الّذي جاءهم به النّبيّ أوّله إثبات الوحدانيّة للّه تعالى وإثبات البعث ، وما يتبع ذلك من الشّرائع النّازلة بمكّة ، كالأمر بالصّلاة والزّكاة وصلة الرّحم ، والاعتراف للفاضل بفضله ، وزجر الخبيث عن خبثه ، وأخوّة المسلمين بعضهم لبعض ، والمساواة بينهم في الحقّ . ومنع الفواحش من الزّنى وقتل الأنفس ووأد البنات ، والاعتداء وأكل الأموال بالباطل ، وإهانة اليتيم والمسكين ، ونحو ذلك من إبطال ما كان عليه أمر الجاهليّة من العدوان ، والخلافة الّتي نشأوا عليها من عهد قديم . فكلّ ما جاء به الرّسول يومئذ هو الموافق لمقتضى نظام العمران الّذي خلق اللّه عليه العالم فهو الحقّ ، كما قال : ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ الدّخان : 39 . ولمّا كان قول الكاذب وقول المجنون المختصّ بهذا الّذي لا يشاركهما فيه العقلاء والصّادقون ، غير جاريين على هذا الحقّ ، كان إثبات أنّ ما جاء به الرّسول حقّ نقضا لإنكارهم صدقه ، ولقولهم : هو مجنون ، كان ما بعد ( بل ) نقضا لقولهم . وظاهر تناسق الضّمائر يقتضي أنّ ضمير أَكْثَرُهُمْ يعود إلى القوم المتحدّث عنهم في قوله : فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ المؤمنون : 54 ، فيكون المعنى : أكثر المشركين من قريش كارهون للحقّ . وهذا تسجيل عليهم بأنّ طباعهم تأنف الحقّ الّذي يخالف هواهم ، لما تخلّقوا به من الشّرك وإتيان الفواحش والظّلم والكبر والغصب وأفانين الفساد ، بله ما هم عليه من فساد الاعتقاد بالإشراك وما يتبعه من الأعمال ، كما قال تعالى : وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ المؤمنون : 63 . فلا جرم كانوا بذلك يكرهون الحقّ ، لأنّ جنس الحقّ يجافي هذه الطّباع . ومن هؤلاء أبو جهل ، قال تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ إلى قوله : لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا الأنعام : 52 ، 53 . وإنّما أسندت كراهيّة الحقّ إلى أكثرهم دون جميعهم ، إنصافا لمن كان منهم من أهل الأحلام الرّاجحة الّذين علموا بطلان الشّرك ، وكانوا يجنحون إلى الحقّ ، ولكنّهم يشايعون طغاة قومهم مصانعة لهم ، واستبقاء على حرمة أنفسهم بعلمهم ، أنّهم إن صدعوا بالحقّ لقوا من طغاتهم الأذى والانتقاض ، وكان من هؤلاء أبو طالب والعبّاس والوليد بن المغيرة . فكان المعنى : بل جاءهم بالحقّ فكفروا به كلّهم ، فأمّا أكثرهم فكراهيّة للحقّ ، وأمّا قليل منهم مصانعة لسائرهم ، وقد شمل الكفر جميعهم . وتقدّم المعمول في قوله : لِلْحَقِّ كارِهُونَ اهتمام بذكر الحقّ حتّى يستوعي السّامع ما بعده ، فيقع من نفسه